أبعد من مجرد خمر ... وأكثر من استخدام القانون

.

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
11/12/2010 06:00 AM
GMT



يريدنا مجلس محافظة بغداد أن نصدق أن قراره بإغلاق النوادي والبارات كان مجرد تطبيق لقرار مجلس قيادة الثورة رقم 82 لسنة 1994، وللتعليمات التي أصدرها وزير الداخلية حينها بالرقم 4 لسنة 1994. ويريدنا أن نصدق أن القرار يتعلق بالمشروبات الكحولية حصرا، وبأنه ما ان تحصل المحلات المغلقة على الإجازات الرسمية، أو ان يصدر تشريع آخر عن مجلس النواب يلغي القرار القديم، فان المجلس الموقر لن يتراجع عن قراره. وتحول الأمر إلى أحجية المفتاح والمتاهة (المفتاح عند الحداد، والحداد يريدله فلوس، والفلوس عِندِ العروس، والعروس بالحمام، والحمام يريدله قنديل، والقنديل واكِع بالبير) على رأي الرائع يوسف العاني في مسرحيته، وبعيدا عن هذا الاستهتار بالعقل، والقول ان لا أبعاد دينية او ايديولوجية لهذا القرار، وبعيدا عن صمت السيد رئيس الجمهورية الساهر والضامن الوحيد للالتزام بالدستور (المادة 67)، وصمت السلطة الوحيدة والحقيقية في العراق والممثلة بالسيد رئيس الوزراء ومكتبه، على الرغم من تدخلاته العديدة في إيقاف قرارات وأحكام قضائية باتة وقطعية، كما كان الأمر في القرار الخاص بالهيئة التمييزية الخاص بهيئة المساءلة والعدالة مثلا، وبعيدا عن صمت النخب العراقية فيما عدا "شلة العلمانيين" التي خرجت في شارع المتنبي، وبعيدا عن الخطاب المتهافت لبعض من تصدى لهذا القرار فحول الأمر إلى مجرد خلاف على البار الخاص باتحاد الأدباء والكتاب حصرا وليس انتصارا لمبدأ الحريات نفسه، حيث اختصر البيان الصادر عن الاتحاد الأمر بقوله "ان الأدباء لا يميزون أنفسهم عن أبناء شعبهم ولا يترفعون عليهم ولكن لخصوصية معروفة يغضبون ويحتجون ويستنكرون ان يقارن ناديهم بعلب الليل الرخيصة، فكم شهد هذا المكان الرفيع ولادات نصوص ومواهب وصداقات سامية، فهو ـ بحق ـ حاضنة ثقافية"!!! وبعيدا عن تسخيف الموضوع بأكمله وتحويله من مسألة الحريات المدنية إلى "الأخوة من غير المسلمين" ومدى تضررهم الشخصي بهذا القرار. أقول لقد كان السلوك المنهجي لاستخدام القانون بانتقائية وتأويل وتعسف لا يزال حاكما لأداء الدولة العراقية بدلا من التعامل مع القانون من منطلق احترام حكمه بوصفه قاعدة مجردة أولا، أو الالتزام بمبدأ تدرج القاعدة القانونية، فتكون القواعد الدستورية في القمة، تليها القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، فالقرارات فالأنظمة فالتعليمات التي تصدرها السلطة الإدارية. وأنه في حالة حصول أي تعارض او تنازع بين النصوص فلا بد من الالتزام بهذه التراتبية الخاصة بالقواعد القانونية. وعلينا الاعتراف جميعا بأننا جميعنا تقاعسنا عن التصدي للانتهاكات المنهجية للحقوق والحريات، وكانت التحيزات الخاصة للمثقفين بوجه خاص طوال السنوات السبع الماضية من العراق الجديد المفترض، سببا في عدم قدرتنا على اقناع أحد باننا إنما ندافع عن الحريات العامة لا عن الخمر، فلم يدافع المثقفون عن الحقوق والحريات بشكل عام، أو حتى عن حكم القانون، ولم يكن لهم موقف متميز عن موقف الآخرين في السقوط في لجة الاستقطاب الإثني والمذهبي، ولم يكن لهم موقف متمايز عن موقف الدولة/السلطة تجاه القضايا الإشكالية التي حكمت العراق طيلة هذه السنوات. ولا أغالي إذا قلت إن المثقف العراقي كان منظرا وفاعلا أساسيا في تسويغ ما جرى ويجري من دون أي وقفة نقدية حقيقية.

لن أنجر إلى الوقوع في فخ المعالجة القانونية البحتة لقرار مجلس محافظة بغداد، وإن كنت استطيع إثبات أن الأمر لم يكن مطلقا انفاذا للقانون، فلو كان مجلس المحافظة الموقر حريصا على حكم القانون فعلا، للجأ إلى آخر تعليمات متعلقة بالموضوع، وهي التي أصدرها رئيس هيئة السياحة بالرقم 6 في العام 2001 والخاصة بـ "إجازة بيع المشروبات الكحولية" (الوقائع العراقية، العدد 3870 في 19/3/2001) والتي تضمنت شروط منح الاجازات ببيع المشروبات الكحولية وقد كانت أكثر تشددا في شروط منح الإجازة. وأيضا التعليمات التي أصدرها وزير الثقافة العراقي، وكان حينها الاستاذ مفيد الجزائري، في 1/1/2004 (الوقائع العراقية العدد 3944 في 22/5/2005) والخاصة بتصنيف المرافق السياحية، والذي تضمن مادة خاصة بشروط منح اجازة بيع المشروبات الكحولية (المادتين 16 و17) وكانت أكثر تشددا في بعض الشروط التي وردت في التعليمات التي استند اليها مجلس المحافظة (تحدثت تعليمات العراق الدكتاتوري عام 1994 عن أنه يمنع منح اجازة بيع المشروبات الكحولية "في المناطق المحيطة بالمراقد المقدسة وبمسافة لا تقل عن 500 متر من كل الجهات" (المادة 14)، و "للمحلات القريبة من الجوامع والمساجد والحسينيات والمدارس والمستشفيات بمسافة لا تقل عن 150م". فيما تحدثت تعليمات العراق الجديد عام 2004 عن أنه مثل هذا المنع قرب "المراقد الدينية والعتبات المقدسة لمسافة لا تقل عن 500 خمسمائة متر من اقرب سياج ومن كل الجهات"، وعن أي "جامع او مسجد بمسافة لا تقل عن 400 اربعمائة متر من اقرب سياج ومن كل الجهات"، وعن أي "مدرسة او مستشفى بمسافة لا تقل عن 200 مائتي متر من اقرب سياج ومن كل الجهات"!!! خاصة وأن قانون هيئة السياحة رقم 14 لسنة 1996 منح الهيئة السلطة الحصرية في موضوع منح اجازة بيع المشروبات الكحولية.

ولكن المجلس لم يفعل ذلك ببساطة لأن القانون الأخير، والتعليمات الصادرة بموجبه لا تتيح للمحافظين سلطة غلق مثل هذه الأماكن أولا، ولأنها تتعلق بالمرافق السياحية حصرا ومن ثم فهي لا تشمل النوادي الاجتماعية ولا نوادي الجمعيات والنقابات والاتحادات! هكذا لا نكون إلا بإزاء استخدام لتعليمات يفترض انها أصبحت غير قائمة بعد نقل الصلاحيات الخاصة بالموضوع من وزارة الداخلية إلى هيئة السياحة أولا، وبعد صدور تعليمات هذه الهيئة ثانيا.

أقول لن أنجر إلى حصر الموضوع في الإطار القانوني فقط، على الرغم من سهولة تفنيد الأسس القانونية التي استند اليها مجلس المحافظة، لاننا في الحقيقة أمام محاولة منهجية لأحزاب محددة بفرض ايديولوجيتها على الجميع، وباستخدام السلطة في فرض تأويلاتها واستخداماتها للقانون، وفي الحشد لمثل هذه الانتهاكات الجسيمة للحريات المدنية، وفي اعتمادها على البعض من "المثقفين" في تسويغ هذه الانتهاكات حفاظا على "نقاء" بغداد وطهرها، كما جاء على لسان المذيع في قناة الحزب الذي ينتمي إليه أغلب اعضاء مجلس محافظة بغداد.

لم تكن القضية قضية خمر هذه المرة، كما أنها لم تكن قضية سيرك في البصرة، ولا قضية موسيقى وغناء في بابل، لقد كان الأمر دائما محاولة منهجية لفرض رؤى وايديولوجية جماعة محددة على أخرى. والتعامل من ثم مع مطلقات تحدد الصحيح من الخطأ، والرشد من الضلال تبعا لما تحدده هذه الجهات. ألم أقل أكثر من مرة إن المقدمات كان لا بد ان تنتهي إلى ما انتهينا إليه، وإن حديث البعض عن سيرورة الديمقراطية في العراق لم تكن سوى أوهام.